محمد بن جرير الطبري

127

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ومعنى " مِنْ " في هذا الموضع التعقيب ، كما يقال في الكلام : " أعطيتك من دينارك ثوبًا " ، بمعنى : مكانَ الدينار ثوبًا ، لا أن الثوب من الدينار بعضٌ ، كذلك الذين خوطبوا بقوله : ( كما أنشأكم ) ، لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين ، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنَّهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خَلَف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم . * * * و " الذرية " " الفُعْليّة " ، من قول القائل : " ذرأ الله الخلق " ، بمعنى خلقهم ، " فهو يذرؤهم " ، ثم ترك الهمزة فقيل : " ذرا الله " ، ثم أخرج " الفُعْليّة " بغير همز ، على مثال " العُبِّيَّة " . ( 1 ) * * * وقد روي عن بعض المتقدمين أنه كان يقرأ : " مِنْ ذُرِّيئَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ " على مثال " فُعِّيلة " . ( 2 ) * * * وعن آخر أنه كان يقرأ : " وَمِنْ ذِرِّيَّةِ " ، على مثال " عِلِّيَّة " . * * * قال أبو جعفر : والقراءة التي عليها القراءة في الأمصار : ( ذُرِّيَّةِ ) ، بضم الذال ، وتشديد الياء ، على مثال " عُبِّية " . ( 3 ) * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ( العلية ) ) ، وهو خطأ ، لأن هذه بكسر العين . وفي المخطوطة : ( ( العلمه ) ) ، غير منقوطة ، واجتهدت قراءتها كذلك . وفي الحديث : ( ( إن الله وضع عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها ) ) ، و ( ( العبية ) ) فخر الجاهلية وكبرها ونخوتها . يقال إنها من ( ( التعبية ) ) ، وقالوا بعضهم : هي ( ( فعولة ) ) ، وجائز أن تكون ( ( فعلية ) ) ، كما قال هذا القائل في ( ( ذرية ) ) ، وانظر مادة ( عبب ) في لسان العرب . ( 2 ) كان في المخطوطة : ( ( من ذرية ) ) ، كما هي التلاوة السالفة ، ولكن ظاهر أن الذي في المطبوعة هو الصواب . لأن ( ( ذرية ) ) أصلها ( ( ذريئة ) ) ، من ( ( ذرأ الله الخلق ) ) ، فكان ينبغي أن تكون مهموزة ، فكثرت ، فأسقط الهمز ، وتركت العرب همزها . وانظر لسان العرب ( ذرأ ) . ( 3 ) انظر التعليق السالف رقم : 1 ، وكان في المطبوعة هنا أيضًا ( ( علية ) ) ، ومثلها في المخطوطة ، والصواب الراجح ما أثبته .